ماذا تزور في وجدة بالمغرب؟

0
Que visiter à Oujda au Maroc ?

تقع مدينة وجدة في شمال شرق المغرب، وكثيراً ما تغفل عنها المسارات السياحية التقليدية التي تفضّل عادةً المدن الكبرى كمراكش وفاس والدار البيضاء. غير أن وجدة، عاصمة جهة الشرق، تزخر بثروة ثقافية وتاريخية فريدة، ومشاهد طبيعية خلّابة، وضيافة مغربية أصيلة تستحق الاكتشاف. يسعى هذا المدوّنة إلى أخذكم في جولة عبر أبرز المواقع والمعالم السياحية في هذه المدينة الرائعة، لتقديم لمحة شاملة عن الأماكن التي لا يمكن تفويتها خلال إقامتكم في وجدة.
حين تصل إلى وجدة، أول ما يلفت انتباهك هو الأجواء الهادئة والمرحّبة التي تسود المدينة. فعلى خلاف سائر المدن المغربية الكبرى، لا تعجّ وجدة بالسياح، مما يتيح لك اكتشاف كنوزها بإيقاع أكثر راحة وأصالة. يتميز مركز المدينة بشوارعه العريضة المكسوّة بالأشجار، وساحاته العامة المرتّبة، ومبانيه التاريخية التي تروي تاريخ هذه المنطقة الثري والمتشعّب. إن التجوّل في أزقة وجدة هو انغماس حقيقي في ثقافة عرفت كيف تحافظ على تقاليدها مع الانفتاح على الحداثة.

مدينة وجدة العتيقة

لا بد أن تبدأ زيارة وجدة بمدينتها العتيقة، قلب المدينة التاريخي. فالمدينة العتيقة لوجدة، وإن كانت أقل شهرة من مدينتي فاس ومراكش، تبقى مكاناً رائعاً مفعماً بالتاريخ والأصالة. تحيط بها أسوار شامخة، وتتشكّل من متاهة من الأزقة الضيقة المتعرجة، حيث تتجاور الحوانيت التقليدية وورش الحرفيين والمعالم التاريخية. وفي التجوال بين دروبها، تنكشف أمامك روائع معمارية عديدة، كالمسجد الكبير الذي يعود بناؤه إلى القرن الثالث عشر، وهو من أعرق المنشآت الدينية في المدينة.
تُعدّ ساحة العطارين، وسط المدينة العتيقة، المركز النابض الذي يتقاطع فيه السكان للتسوق أو اللقاء. هنا يسود النشاط الدائم؛ يعرض التجار بضاعتهم من التوابل العطرة إلى الأقمشة الملونة، مروراً بمنتجات الصناعة التقليدية. يسود الأجواء هنا حيوية وأصالة تعكس روح وجدة بامتياز. لا تفوّت زيارة أسواق المدينة العتيقة المختلفة، إذ يختص كل منها بنوع معين من البضائع، سواء أكانت المجوهرات أم الملابس أم المواد الغذائية. إنها تجربة حسية فريدة تتشابك فيها الألوان والروائح والأصوات لتخلق أجواءً لا تُنسى.

حدائق لالة عيشة

على بُعد خطوات قليلة من المدينة العتيقة تقع حدائق لالة عيشة الرائعة، الرئة الخضراء الحقيقية للمدينة. أُنشئت هذه الحدائق العامة في ثلاثينيات القرن الماضي، وتوفّر واحة من السكينة وسط صخب المدينة. تمتدّ على مساحة عدة هكتارات، وتضم مروجاً واسعة، وأحواض زهور، ونوافير، وكتلاً من الأشجار الظليلة. وتُعدّ حدائق لالة عيشة مكاناً مفضّلاً للراحة لدى سكان وجدة، الذين يأتون للتنزّه وممارسة الرياضة أو الاستمتاع بالطبيعة.
يجد عشاق علم النبات في حدائق لالة عيشة مجموعة متنوعة من النباتات والأشجار، بعضها استوائي وبعضها من الأصناف المغربية الأصيلة. وتبدو الممرات المحاطة بأشجار النخيل وأشجار البوغانفيل جميلة بشكل خاص، وتمنح المصوّرين الهواة مناظر رائعة. وأثناء تجوّلك في هذه الحدائق، ستكتشف أيضاً عدة أكشاك وأجنحة، حيث يلطُف بك الجلوس لقراءة كتاب أو تناول كوب من الشاي بالنعناع.

المنتزه الشرقي

إلى جانب حدائق لالة عيشة، تمتلك وجدة جوهرة طبيعية أخرى: المنتزه الشرقي. هذه المساحة الخضراء الواسعة، الواقعة في أطراف المدينة، هي الوجهة المفضّلة لعشاق الطبيعة والعائلات الباحثة عن أنشطة في الهواء الطلق. يتميز المنتزه الشرقي بتضاريس متنوعة تتراوح بين المروج الخضراء والمناطق الحرجية، مروراً بالبُرَك والجداول. وهو مكان مثالي للمشي لمسافات طويلة، والتنزّه، وركوب الدراجات.
يُعدّ المنتزه الشرقي أيضاً فضاءً للاكتشاف التربوي، بفضل لوحاته الإرشادية الكثيرة حول الحيوانات والنباتات المحلية. سيستمتع الأطفال بشكل خاص بالمزرعة المصغّرة، حيث يمكنهم مراقبة الحيوانات الأليفة والتفاعل معها كالأغنام والماعز والأرانب. يضم المنتزه أيضاً عدة ملاعب للأطفال، وملاعب رياضية، ومسارات مرسومة، مما يوفر أنشطة متعددة تناسب جميع الأعمار.

المجمع السياحي زورقي

لمن يرغب في الاسترخاء مع اكتشاف الثقافة المحلية، يُعدّ المجمع السياحي زورقي وجهة لا يمكن تفويتها. يقع هذا المجمع في أطراف وجدة، ويقدّم مزيجاً فريداً من الترفيه والراحة والثقافة المغربية الأصيلة. يضم عدة مسابح وملاعب رياضية ومطاعم وفضاءات للاسترخاء، وكل ذلك في إطار أخضر هادئ.
يشتهر مجمع زورقي أيضاً بعروضه وفعالياته الثقافية التي تُبرز تقاليد وفولكلور المنطقة. يمكنك حضور عروض الموسيقى والرقص التقليديين، واكتشاف الصناعة التقليدية المحلية، والتذوّق من أطباق المطبخ المغربي الأصيل. إنه المكان المثالي للراحة والتجدد مع الانغماس في أصالة ثقافة الشرق.

المتحف الإثنوغرافي لوجدة

لمن يهتم بتاريخ المنطقة وثقافتها، فإن زيارة المتحف الإثنوغرافي لوجدة أمر لا غنى عنه. يقع هذا المتحف في مبنى تاريخي بالمدينة، ويضم مجموعة غنية ومتنوعة من القطع الإثنوغرافية التي تُجسّد الحياة اليومية والتقاليد والمهارات الحرفية لسكان الشرق. تشمل المعروضات الأزياء التقليدية والمجوهرات والأدوات الزراعية والمستلزمات المنزلية والأعمال الحرفية.
يقدّم المتحف الإثنوغرافي أيضاً معارض مؤقتة وفعاليات ثقافية تُتيح فهماً أعمق لتطوّر مجتمع وجدة عبر القرون. يمكن للزوار اكتشاف التأثيرات الأمازيغية والعربية والأندلسية والفرنسية التي شكّلت هوية المنطقة. وتُشكّل زيارة المتحف فرصة نادرة للغوص في التاريخ المحلي وفهم الجذور الثقافية لوجدة بصورة أعمق.

حمامات سيدي يحيى

على بُعد نحو عشرين كيلومتراً من وجدة تقع الحمامات الشهيرة لسيدي يحيى، وهي مكان للراحة والروحانية تشتهر بعيونها المائية الحارة ذات الخصائص العلاجية. تقع الحمامات في محيط طبيعي ساحر، تحيط به التلال الخضراء والمناظر الطبيعية الخلّابة. وتُعرف مياه سيدي يحيى بخصائصها الشفائية، لا سيما في علاج الأمراض الجلدية وآلام المفاصل.
فضلاً عن فوائدها الجسدية، تُعدّ حمامات سيدي يحيى أيضاً مزاراً روحياً، بوجود ضريح سيدي يحيى، الولي المبجَّل لدى سكان المنطقة. يمكن للزوار اكتشاف الطقوس التقليدية والتأمل في هدوء ووقار. وتوفر الحمامات أيضاً مرافق حديثة كالحمامات البخارية والتدليك وجلسات العناية بالصحة، لتجربة استرخاء متكاملة.

محيط وجدة

تُعدّ وجدة أيضاً قاعدة ممتازة لاستكشاف الثروات الطبيعية لجهة الشرق. على بُعد كيلومترات قليلة من المدينة، يمكنك اكتشاف مواقع طبيعية بالغة الجمال، كجبال بني يزناسن. تقع هذه الجبال على بُعد نحو 60 كيلومتراً من وجدة، وتتيح مناظر طبيعية رائعة وتنوعاً بيولوجياً ثرياً. سيجد عشاق المشي لمسافات طويلة ضالّتهم في المسارات المرسومة الكثيرة التي تعبر الغابات والأودية والمناطق الخضراء.
تحتضن جبال بني يزناسن أيضاً مواقع أثرية مثيرة للاهتمام، كمغارات تافوغالت، حيث اكتُشفت آثار استيطان بشري يعود إلى أكثر من 80,000 سنة. هذه المغارات، المفتوحة للعموم، تأخذك في رحلة رائعة إلى فجر التاريخ في المنطقة. يمكن للزوار مشاهدة الرسوم الصخرية والأدوات الحجرية والعظام المتحجرة، شواهدَ على حياة أوائل سكان الشرق.
“اللؤلؤة الزرقاء” بفضل شواطئها الرملية الناعمة ومياهها الكريستالية. وتُعدّ السعيدية من أكثر الوجهات الساحلية إقبالاً في المغرب، إذ تقدّم مجموعة واسعة من الأنشطة البحرية والفنادق الفاخرة والحياة الليلية المتنوعة. وفي الصيف، تستقطب المدينة أعداداً كبيرة من المصطافين الراغبين في الاستمتاع بالشمس والبحر والمرافق السياحية المتعددة.

السعيدية

تقع محطة السعيدية البحرية على بُعد نحو ساعة بالسيارة من وجدة، وهي وجهة لا غنى عنها لعشاق الشاطئ والاستجمام. تمتد السعيدية، الملقّبة بـ”اللؤلؤة الزرقاء”، على طول خليج رملي رائع يطلّ على البحر الأبيض المتوسط. وتجعل مياهها الصافية قليلة العمق منها مكاناً مثالياً للسباحة والرياضات المائية والأنشطة العائلية.
تتوفر في السعيدية مجموعة متنوعة من خيارات الإقامة، من الفنادق الفاخرة إلى المجمعات السياحية وشقق العطلات. وتزيد المرافق الحديثة والمطاعم على الشاطئ ونوادي الشواطئ من جاذبية هذه المحطة الساحلية. وأثناء التجوال في ميناء السعيدية، ستكتشف أجواءً مفعمة بالحيوية، من مقاهٍ وحوانيت ومدرجات تطلّ على المرفأ والبحر.
لمحبّي الرياضات المائية، تقدّم السعيدية طيفاً واسعاً من الأنشطة كالجت سكي والتزلج على الأمواج والإبحار والكاياك والغوص. وتوفّر المياه الهادئة الصافية للبحر الأبيض المتوسط ظروفاً مثالية لاستكشاف الأعماق واكتشاف عالم بحري غني ومتنوع.

المجمع السياحي للسعيدية

يُعدّ المجمع السياحي للسعيدية، المعروف أيضاً بـ”سعيدية ميديترانيا”، من أضخم المشاريع السياحية في المغرب. يضم عدة فنادق فاخرة وإقامات للعطل وملعباً للغولف من 18 حفرة ومراكز للعافية والتلاسوثيرابي، إضافة إلى منشآت ترفيهية متعددة. صُمّم هذا المجمع لتقديم تجربة عطلة متكاملة وراقية تجمع بين الاسترخاء والرياضة والترفيه.
ملعب غولف السعيدية، الذي صمّمه المعماري العالمي كابيل ب. روبنسون، هو ملعب بطولي يوفّر إطلالات خلّابة على البحر والجبال المحيطة. سيقدّر لاعبو الغولف من جميع المستويات جودة الملعب والمرافق الحديثة لنادي الغولف. وبعد يوم على الملعب، يمكنك الاسترخاء في أحد المنتجعات الصحية العديدة بالسعيدية، التي تقدّم علاجات العافية والتلاسوثيرابي باستخدام فوائد مياه البحر والطحالب البحرية.

مرسى السعيدية

يُعدّ مرسى السعيدية من أبرز معالم الجذب في هذه المحطة الساحلية. يستوعب هذا المرسى الحديث مئات القوارب واليخوت، ويقدّم مجموعة واسعة من الخدمات لمحبّي الإبحار. يحيط بالمرسى مطاعم ومقاهٍ وحوانيت، مما يخلق أجواءً حيّة وكوزموبوليتية. وفي المساء، يتحوّل المرسى إلى ملتقى مفضّل للسكان والسياح الذين يأتون للتمتع بالمنظر، وتناول العشاء على الرصيف، أو مجرد التجوال على طول الأرصفة.
لا تنقص الفعاليات والأنشطة في مرسى السعيدية. ففي الصيف، تُحيي المهرجانات والحفلات الموسيقية في الهواء الطلق وعروض الشوارع الأرصفةَ، مانحةً إياها أجواءً احتفالية ومبهجة. كما يُعدّ المرسى نقطة الانطلاق المثالية للرحلات البحرية، سواء للتجوال في البحر أو صيد الأسماك أو استكشاف السواحل المتوسطية ليوم كامل.

التراث الطبيعي للشرق

تتيح جهة الشرق، التي تُعدّ وجدة عاصمتها، تنوعاً مذهلاً من المناظر الطبيعية الخلّابة بين البحر والجبل والصحراء. إلى جانب شواطئ السعيدية وجبال بني يزناسن، تحتضن الجهة عدة مواقع طبيعية استثنائية تستحق الزيارة.
ملاحات زقزل، الواقعة على بُعد نحو خمسين كيلومتراً من وجدة، تقدّم مشهداً طبيعياً مبهراً. هذه الأودية العميقة الضيقة، التي نحتها نهر زقزل، تحفّها جروف شاهقة وتشكيلات صخرية بديعة. وسيجد عشاق المشي والتسلق مسارات ودروباً متعددة تناسب جميع المستويات.
يُعدّ المنتزه الوطني تازكة، الواقع في جبال الأطلس المتوسط، جوهرة طبيعية أخرى في جهة الشرق. يمتد هذا المنتزه على أكثر من 1200 هكتار، ويحتضن تنوعاً بيولوجياً كبيراً من نباتات وحيوانات، مع مناظر طبيعية متنوعة تتراوح بين غابات الأرز والهضاب الصخرية. يمكن للزوار ممارسة المشي وركوب الدراجات الجبلية ومراقبة الطيور أو الاستمتاع فحسب بروعة الطبيعة.

ختاماً…

خلاصة القول، تزخر وجدة ومحيطها بثروة ثقافية وطبيعية تستحق الاكتشاف. بين المدينة العتيقة التاريخية والحدائق الهادئة والمتاحف المثرية والحمامات المريحة والمواقع الطبيعية الخلّابة، سيجد كل زائر ما يُشبع شغفه بالاكتشاف والانفتاح على الآفاق الجديدة. كما أن قُرب البحر والجبال يُتيح تنويع المتع والاستمتاع بطيف واسع من الأنشطة الثقافية والرياضية والترفيهية.
وجدة، بعيداً عن المسارات المطروقة للسياحة الجماهيرية، تقدّم تجربة أصيلة ودافئة يتجلى فيها كرم الضيافة المغربية بأبهى صوره. سواء كنت تبحث عن الثقافة أو الطبيعة أو الاسترخاء، ستأسرك المدينة وما حولها بتنوعها وسحرها. فدعك تنجذب نحو وجدة واكتشف بنفسك الكنوز الخفية للشرق المغربي.

5/5 - (6 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *